الانتقال إلى المحتوى الأساسي

القصص

زكريا عليه السلام والبشارة بيحيى

قصة نبي بلغ من الكبر عتيا ولم ينقطع رجاؤه: زكريا عليه السلام، الذي كان يعمل بيده ويقوم في محراب بيت المقدس، وكفل مريم فرأى عندها رزقا لا يفسره سبب، فتحرك في قلبه دعاء خفي لم يسمعه أحد: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة. فجاءت البشارة بيحيى، باسم لم يسم به أحد قبله، وكانت العلامة أن يصمت عن كلام الناس ثلاثة أيام لا رمزا ولا إشارة إلا تسبيحا، ثم وُلد الغلام الذي أوتي الحكم صبيا وكان برا بوالديه.

زكريا عليه السلام والبشارة بيحيى

التلاوة الصوتية لقراء معتمدين. لا نستخدم أي صوت مولّد بالذكاء الاصطناعي في تلاوة القرآن.

  1. الفصل ١

    رجل يأكل من عمل يده

    ورشة نجارة قديمة بجانب جدار حجري وضوء صباحي هادئ بأسلوب لوحة زيتية سينمائية

    في بيت المقدس، وفي زمن كان فيه بنو إسرائيل بين علماء يحفظون الكتاب وعامة تنشغل بمعاشها، كان هناك رجل يقوم على خدمة المحراب نهارا، ويعود إلى ورشته ليعمل بيده. لم يكن زكريا عليه السلام نبيا يعيش على أعطيات الناس، بل نجارا يأكل من كسب يده. وقد أثبت ذلك في الحديث الصحيح: كان زكريا نجارا. وهذه التفصيلة الصغيرة تفتح باب فهم شخصيته كلها.

    فالرجل الذي يمسك المنشار ويعرف ثقل الخشب في يده يعرف أيضا معنى الصبر على الشيء الذي لا يكتمل في يوم. النجارة صناعة تراكمية، لا تمنح نتيجة سريعة، بل تكافئ من يعود إلى العمل كل صباح. وهذا بعينه هو الوصف الذي سيصف به نفسه لاحقا بين يدي ربه: عبد لم ينقطع دعاؤه على طول العمر.

    وقد افتتح الله قصته في سورة مريم بمقدمة تحدد جنس القصة قبل أن تُروى:

    سورة مريم ١٩:٢

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُۥ زَكَرِيَّآ

    فالعنوان الذي وضعه القرآن للقصة ليس "دعاء استُجيب" ولا "معجزة حدثت"، بل ذكر رحمة. وهذا التوجيه مهم: ما سيأتي في الفصول التالية من بشارة ومولد وعلامة، كله فرع من أصل واحد اسمه الرحمة، لا من استحقاق ولا من صدفة.

    وبين المحراب والورشة تشكلت حياة متوازنة: قيام بحق الله في العبادة، وقيام بحق النفس في الكسب، وقيام بحق الناس في ألا يكون عليهم عالة. ومن هذه الأرضية الهادئة ستنبت لاحقا أعظم لحظة في حياته.

    دروس

    • العمل باليد لا ينقص من مقام العبد عند الله
    • الصبر على الأعمال التي لا تكتمل في يوم مدرسة للدعاء الطويل
    • القرآن سمى القصة ذكر رحمة قبل أن يذكر البشارة
  2. الفصل ٢

    كفالة مريم ورزق بلا سبب

    محراب حجري ليلا وعليه رزق موضوع بضوء شمعة واحدة بأسلوب لوحة زيتية سينمائية

    حين نُذرت مريم لخدمة بيت المقدس، تنافس القوم على كفالتها، وكان النصيب لزكريا عليه السلام. ولم تكن هذه الكفالة تفصيلة إدارية في القصة، بل كانت المدخل الذي فتح له باب الرجاء بعد أن أوشك أن يُغلق.

    فقد صار يدخل عليها المحراب فيجد عندها طعاما لا يعرف من أين جاء. لا باب فُتح، ولا يد حملت، ولا سبب ظاهر يُحال إليه. قال الله تعالى:

    سورة آل عمران ٣:٣٧

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍۢ وَأَنۢبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًۭا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا ۖ كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا ٱلْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًۭا ۖ قَالَ يَٰمَرْيَمُ أَنَّىٰ لَكِ هَٰذَا ۖ قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ ٱللَّهِ ۖ إِنَّ ٱللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ

    وجوابها كان درسا: هو من عند الله. جملة قصيرة لكنها أزالت من ذهنه قيدا كان يحكم تفكيره: أن العطاء لا يأتي إلا من طريق معلوم. فإذا كان الطعام يأتي بلا سبب مرئي، فلماذا يكون الولد مستحيلا لأن السبب المرئي انقطع؟

    هنا تحول المشهد من مشاهدة إلى دعاء. لم يقل: عجيب. ولم يكتف بالتأمل. بل نقل ما رآه في المحراب إلى قلبه ثم إلى لسانه:

    سورة آل عمران ٣:٣٨

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُۥ ۖ قَالَ رَبِّ هَبْ لِى مِن لَّدُنكَ ذُرِّيَّةًۭ طَيِّبَةً ۖ إِنَّكَ سَمِيعُ ٱلدُّعَآءِ

    ولاحظ دقة الطلب: ذرية طيبة، لا ذرية فقط. لم يسأل عددا ولا قوة ولا جمالا، بل سأل صلاحا. وقيد الطلب بقوله من لدنك، أي من عندك بلا واسطة أسباب انقطعت. وختمه بالثناء الذي يفتح الباب: إنك سميع الدعاء.

    وكلمة هنالك في الآية تفيد الظرف: في ذلك المكان وفي تلك اللحظة. أي أن الدعاء وُلد من مشهد رآه، لا من فراغ. وهذا ما يفسر لنا كيف يكون النظر في نعم الله على غيرك بابا لرجاء لا حسدا.

    دروس

    • رؤية رزق الله لغيرك باب لرجاء لا للحسد
    • الطلب المحدد أرقى من الطلب المبهم فسأل ذرية طيبة لا ذرية فقط
    • قول من لدنك اعتراف بأن العطاء لا يقيده انقطاع الأسباب
  3. الفصل ٣

    نداء خفي لم يسمعه أحد

    سجادة صلاة أمام قوس حجري في عتمة وضوء ذهبي خفيف في الأفق بأسلوب لوحة زيتية سينمائية

    كان يمكن أن يرفع صوته ليعلم الناس أنه يدعو، أو أن يجعل من حاجته حديثا في المجالس. لكنه اختار طريقا آخر. قال الله تعالى:

    سورة مريم ١٩:٣

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ نِدَآءً خَفِيًّۭا

    ووصف النداء بالخفاء هنا ليس تفصيلا جماليا. الإخفاء أدب مع الله، وهو أيضا حماية للدعاء من أن يصير عرضا. ومن أخفى حاجته عن الناس فقد صرح بأنه لا يرجو منهم شيئا.

    ثم بدأ يصف حاله وصفا لا يجمل ولا يبالغ:

    سورة مريم ١٩:٤

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    قَالَ رَبِّ إِنِّى وَهَنَ ٱلْعَظْمُ مِنِّى وَٱشْتَعَلَ ٱلرَّأْسُ شَيْبًۭا وَلَمْ أَكُنۢ بِدُعَآئِكَ رَبِّ شَقِيًّۭا

    انظر كيف رتب كلامه: ضعف في العظم، وبياض غلب على الرأس حتى صار كالاشتعال، ثم سابقة طويلة من الدعاء لم تُخلف الرجاء يوما. فهو يقدم بين يدي طلبه سيرة لا عذرا: ما دعوتك قبل فرددتني.

    وأما سبب الطلب فذكره بصراحة:

    سورة مريم ١٩:٥

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    وَإِنِّى خِفْتُ ٱلْمَوَٰلِىَ مِن وَرَآءِى وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًۭا فَهَبْ لِى مِن لَّدُنكَ وَلِيًّۭا

    ولم يكن خوفه على مال يورث ولا جاه يُحفظ، بل على العلم والدين أن يقع في يد من لا يقوم بحقه. ولذلك حدد المطلوب بدقة:

    سورة مريم ١٩:٦

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    يَرِثُنِى وَيَرِثُ مِنْ ءَالِ يَعْقُوبَ ۖ وَٱجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّۭا

    فالوراثة المقصودة وراثة نبوة وعلم وصلاح، لا وراثة متاع، وقد نص أهل التفسير على ذلك. ثم زاد قيدا أخيرا: واجعله رب رضيا، أي مرضيا عندك، لأن الولد إن لم يكن مرضيا عند الله صار محنة لا هدية.

    وفي سورة الأنبياء يأتي المشهد نفسه بلفظ آخر أشد إيجازا وأشد التصاقا بالقلب:

    سورة الأنبياء ٢١:٨٩

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    وَزَكَرِيَّآ إِذْ نَادَىٰ رَبَّهُۥ رَبِّ لَا تَذَرْنِى فَرْدًۭا وَأَنتَ خَيْرُ ٱلْوَٰرِثِينَ

    وهذه الجملة من أعظم ما يُدعى به عند الوحدة: لا تذرني فردا. ثم عقبها بما يمنع الدعاء من أن يصير تعلقا بالمخلوق: وأنت خير الوارثين. أي إن لم تعطني وارثا فأنت الباقي، وإن أعطيتني فالفضل لك. فهو يسأل بشدة ويسلم في الوقت نفسه.

    دروس

    • إخفاء الدعاء أدب مع الله وحماية له من أن يصير عرضا
    • الدعاء يبدأ بوصف الحال بصدق لا بتجميله
    • الخوف على العلم والدين أشرف من الخوف على المال
    • قوله وأنت خير الوارثين يمنع الدعاء من أن يصير تعلقا بالمخلوق
  4. الفصل ٤

    بشارة باسم لم يسبق إليه أحد

    ضوء ذهبي يتدفق من نافذة مقوسة إلى داخل غرفة حجرية بأسلوب لوحة زيتية سينمائية

    جاء الجواب لا بعد سنوات من الصمت، بل في المكان نفسه الذي دعا فيه، وهو قائم يصلي. قال الله تعالى:

    سورة آل عمران ٣:٣٩

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    فَنَادَتْهُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَهُوَ قَآئِمٌۭ يُصَلِّى فِى ٱلْمِحْرَابِ أَنَّ ٱللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَىٰ مُصَدِّقًۢا بِكَلِمَةٍۢ مِّنَ ٱللَّهِ وَسَيِّدًۭا وَحَصُورًۭا وَنَبِيًّۭا مِّنَ ٱلصَّٰلِحِينَ

    والبشارة لم تأت باسم فقط، بل بأربعة أوصاف تحدد وظيفة هذا المولود قبل أن يولد: مصدقا بكلمة من الله وهي عيسى عليه السلام، وسيدا يقتدي به الناس، وحصورا يملك نفسه عن الشهوات، ونبيا من الصالحين. فالغلام الذي طلبه أبوه صالحا جاء الجواب بأنه سيكون فوق ما طلب.

    وفي سورة مريم يأتي النداء بصيغة أقرب وأدفأ، فيه اسم الأب صريحا:

    سورة مريم ١٩:٧

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    يَٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَٰمٍ ٱسْمُهُۥ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُۥ مِن قَبْلُ سَمِيًّۭا

    ولم يُترك الاسم لاختيار الأبوين كما هو الشأن في كل ولد، بل سماه الله قبل أن يوجد: يحيى. وأخبر أنه لم يُسم به أحد قبله. وفي هذا إشارة إلى تفرد الرسالة التي سيحملها، وإلى أن هذا العطاء ليس تكرارا لعطاء سابق.

    ودلالة الاسم نفسها لافتة: يحيى، من الحياة. ولد جاء بعد أن مات الرجاء في مجرى الأسباب، فكان اسمه إعلانا بأن الله يحيي ما يشاء متى شاء. ومن هنا فهم المفسرون معنى قوله لم نجعل له من قبل سميا فهما يجمع بين تفرد الاسم وتفرد الحال.

    وفي هذه اللحظة يكتمل معنى ذكر الرحمة الذي افتتحت به السورة القصة. الدعاء كان خفيا، والجواب جاء في المحراب. الطلب كان كلمتين، والعطاء جاء موصوفا بأربع صفات. وهذا فرق العطاء الإلهي عن كل عطاء آخر: يأتي أكبر من السؤال.

    دروس

    • الجواب جاء في مكان العبادة لا بعيدا عنه
    • الله سمى يحيى قبل أن يوجد فتفرد الاسم يشير إلى تفرد المهمة
    • العطاء الإلهي يأتي أوسع من حدود السؤال
  5. الفصل ٥

    أنى يكون لي غلام

    غصن جاف في صخر متشقق ينبت منه برعم أخضر تحت سماء زرقاء داكنة بأسلوب لوحة زيتية سينمائية

    سأل زكريا عليه السلام سؤالا يظنه بعض القراء اعتراضا، وهو في حقيقته استفهام عن الكيفية لا شك في القدرة. قال الله تعالى:

    سورة مريم ١٩:٨

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌۭ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِى عَاقِرًۭا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ ٱلْكِبَرِ عِتِيًّۭا

    وكلمة عتيا في العربية تفيد بلوغ الغاية في اليبس والجفاف، كالعود الذي جف حتى لم يبق فيه لين. فهو يصف نفسه بأدق ما يمكن: لم يبق في جسده مقدمة من مقدمات الولد. وامرأته عاقر، أي لم تلد قط لا في شبابها ولا بعده. فالمانع مزدوج ومطبق.

    ولذلك جاء الجواب لا بتفصيل الطريقة بل بتذكيره بأصل أعظم:

    سورة مريم ١٩:٩

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    قَالَ كَذَٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَىَّ هَيِّنٌۭ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْـًۭٔا

    وهذا من أبلغ ما يخاطب به الإنسان عند استعصاء الأمر: أنت نفسك كنت عدما، ثم صرت موجودا. فمن أوجدك من لا شيء أهون عليه أن يخرج ولدا من شيخ وعاقر. الحجة مبنية على سابقة يعرفها السائل في نفسه، لا على غيب بعيد.

    وفي سورة آل عمران يأتي المشهد بجواب أشد إيجازا:

    سورة آل عمران ٣:٤٠

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِى غُلَٰمٌۭ وَقَدْ بَلَغَنِىَ ٱلْكِبَرُ وَٱمْرَأَتِى عَاقِرٌۭ ۖ قَالَ كَذَٰلِكَ ٱللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ

    كذلك الله يفعل ما يشاء. جملة تختصر باب القدرة كله. ولاحظ أن الجواب لم يقل: سنعالج السن ونصلح العقر. بل قال: يفعل ما يشاء. لأن المشيئة لا تحتاج إلى تمهيد الأسباب لتعمل.

    وفي هذا تعليم عملي للقارئ: من دعا ثم رأى الأسباب كلها مغلقة فليس مطالبا بأن يفهم كيف سيأتي الجواب. الفهم ليس شرطا في الاستجابة. الشرط أن يبقى الدعاء قائما وأن يبقى القلب معلقا بمن لا تعجزه الأسباب.

    دروس

    • السؤال عن الكيفية ليس شكا في القدرة
    • من أوجدك من عدم لا يعجزه أن يعطيك ما انقطعت أسبابه
    • ليس على الداعي أن يفهم طريق الاستجابة قبل أن تأتي
  6. الفصل ٦

    ثلاثة أيام من الصمت

    محراب حجري قديم وقنديل معلق واحد ينشر ضوءا ذهبيا في الصمت بأسلوب لوحة زيتية سينمائية

    طلب زكريا عليه السلام علامة يطمئن بها قلبه ويعرف بها وقت تحقق البشارة. فجاءت العلامة من جنس ما يحبه أهل العبادة: صمت عن الناس وانصراف إلى الذكر. قال الله تعالى:

    سورة آل عمران ٣:٤١

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۖ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًۭا ۗ وَٱذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًۭا وَسَبِّحْ بِٱلْعَشِىِّ وَٱلْإِبْكَٰرِ

    فالعلامة لم تكن حجرا يتحول ولا نجما يظهر، بل تعطيل جزئي للسان في وجه واحد فقط: كلام الناس. أما ذكر الله فقد بقي مأمورا به بل مطلوبا بكثرة. لسان يعمل في جهة ويتوقف في جهة، وهذه في ذاتها آية لا تخفى على صاحبها.

    وفي سورة مريم ذُكرت المدة بلفظ الليالي:

    سورة مريم ١٩:١٠

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    قَالَ رَبِّ ٱجْعَل لِّىٓ ءَايَةًۭ ۚ قَالَ ءَايَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ ٱلنَّاسَ ثَلَٰثَ لَيَالٍۢ سَوِيًّۭا

    ولا تعارض بين ثلاثة أيام وثلاث ليال، لأن العرب تعبر عن المدة بالأيام وتعبر عنها بالليالي، والمقصود ثلاثة أيام بليالها. وقوله سويا أي سليم البدن معافى، لا مرض به ولا خرس عارض. وهذا القيد مهم جدا: لو كان الصمت بسبب مرض لما كان علامة، بل كان مصيبة. أما أن يمنع اللسان عن الناس ويبقى صاحبه صحيحا معافى قادرا على التسبيح فذلك هو موضع الآية.

    ثم خرج على قومه فلم يستطع أن يخبرهم بالكلام، فأشار إليهم إشارة:

    سورة مريم ١٩:١١

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    فَخَرَجَ عَلَىٰ قَوْمِهِۦ مِنَ ٱلْمِحْرَابِ فَأَوْحَىٰٓ إِلَيْهِمْ أَن سَبِّحُوا۟ بُكْرَةًۭ وَعَشِيًّۭا

    وأول شيء أراد أن يبلغه للناس وهو لا يقدر على الكلام كان أمرا بالتسبيح، لا خبرا عن نفسه ولا إعلانا عن معجزة خُصص بها. فمن حصل له فضل فأول ما ينبغي أن يدل عليه هو المفضل لا نفسه.

    وثمة معنى تربوي في هذه العلامة يحسن الوقوف عنده: الصمت عن كلام الناس ثلاثة أيام تدريب على أن يكون الشكر عملا داخليا قبل أن يكون حديثا. فكثير من الفرح يتبدد حين يُحكى، وكثير من النعم تُحفظ حين تُصان بالذكر لا بالكلام.

    دروس

    • العلامة جاءت بتعطيل اللسان عن الناس وإبقائه للذكر
    • قوله سويا يبين أن الصمت آية لا مرض
    • أول ما بلغه للناس أمر بالتسبيح لا حديث عن نفسه
    • الشكر عمل داخلي قبل أن يكون حديثا يُحكى
  7. الفصل ٧

    يحيى: الكتاب والحنان والبر

    مصحف مفتوح على حامل خشبي وغصن مزهر في إبريق فخاري بضوء فجر هادئ بأسلوب لوحة زيتية سينمائية

    جاء المولود، وجاء معه أمر مباشر من الله لا يشبه ما يقال للأطفال:

    سورة مريم ١٩:١٢

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    يَٰيَحْيَىٰ خُذِ ٱلْكِتَٰبَ بِقُوَّةٍۢ ۖ وَءَاتَيْنَٰهُ ٱلْحُكْمَ صَبِيًّۭا

    وخذ الكتاب بقوة تعني الجد في الحفظ والعمل والتبليغ، لا مجرد التلاوة. وأوتي الحكم صبيا، أي الفهم والفقه في سن لا يُنتظر فيه ذلك. فالغلام الذي طلبه أبوه صالحا صار مرجعا في فهم الكتاب قبل أن يبلغ.

    ثم وصفه الله بأوصاف تجعل منه نموذجا كاملا:

    سورة مريم ١٩:١٣

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    وَحَنَانًۭا مِّن لَّدُنَّا وَزَكَوٰةًۭ ۖ وَكَانَ تَقِيًّۭا

    الحنان رحمة ورقة في القلب، والزكاة طهارة في السلوك، والتقوى حراسة دائمة. وهذه الثلاثة تصنع شخصية لا تنقسم: رقيق مع الناس، طاهر في نفسه، مراقب لربه.

    وأما علاقته بأبويه، وهما اللذان انتظراه عمرا كاملا، فقد وُصفت بكلمة واحدة تكفي:

    سورة مريم ١٩:١٤

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    وَبَرًّۢا بِوَٰلِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّارًا عَصِيًّۭا

    وفي المقابلة بلاغة ظاهرة: بر بوالديه في مقابل ألا يكون جبارا عصيا. فالبر بالوالدين ليس بابا منفصلا عن التواضع، بل هو أول علاماته. ومن تكبر على من رباه لم يسلم من التكبر على غيره.

    ثم جاء الختم الذي لم ينله كثير من الأنبياء بهذا اللفظ:

    سورة مريم ١٩:١٥

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    وَسَلَٰمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيًّۭا

    سلام في ثلاث لحظات هي أشد ما يمر به الإنسان: يوم الولادة حيث الضعف، ويوم الموت حيث الفراق، ويوم البعث حيث الحساب.

    وأما القصة من أولها فقد جمعها الله في آية واحدة في سورة الأنبياء تبين شرط الاستجابة:

    سورة الأنبياء ٢١:٩٠

    تلاوة معتمدة

    قراءة السورة
    فَٱسْتَجَبْنَا لَهُۥ وَوَهَبْنَا لَهُۥ يَحْيَىٰ وَأَصْلَحْنَا لَهُۥ زَوْجَهُۥٓ ۚ إِنَّهُمْ كَانُوا۟ يُسَٰرِعُونَ فِى ٱلْخَيْرَٰتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًۭا وَرَهَبًۭا ۖ وَكَانُوا۟ لَنَا خَٰشِعِينَ

    فذكر العطاء ثم ذكر السبب: كانوا يسارعون في الخيرات، ويدعون رغبا ورهبا، وكانوا خاشعين. فالاستجابة لم تكن مكافأة على دعاء ليلة واحدة، بل ثمرة سيرة طويلة من العمل والدعاء والخشوع. ومن أراد دعاء مستجابا فليبن قبله سيرة تشبه هذه الآية.

    ويبقى في القصة درس يصلح لكل من ضاق به الأمر: زكريا عليه السلام دعا وهو يعلم أن الأسباب انقطعت، ولم يقل إن الوقت قد فات. ومن تعلم منه هذا لم يعرف اليأس طريقا إلى قلبه.

    دروس

    • خذ الكتاب بقوة أمر بالجد في الحفظ والعمل والتبليغ
    • بر الوالدين أول علامات التواضع لا باب منفصل عنه
    • الاستجابة ثمرة سيرة طويلة من العمل والدعاء والخشوع لا دعاء ليلة
    • من علم أن الأسباب انقطعت ثم دعا فقد أغلق على اليأس طريقه

اختبار تفاعلي

أجب عن الأسئلة التالية ثم تحقق من إجاباتك. لا حاجة لأي تسجيل.

  1. ١. ما كانت مهنة زكريا عليه السلام كما ثبت في الحديث؟

  2. ٢. ما الذي حرك في قلب زكريا الدعاء بالذرية؟

  3. ٣. بأي وصف وصف القرآن دعاء زكريا في سورة مريم؟

  4. ٤. ماذا سأل زكريا في دعائه على وجه التحديد؟

  5. ٥. ما وجه التفرد في اسم يحيى عليه السلام؟

  6. ٦. ماذا كانت العلامة التي جُعلت لزكريا عليه السلام؟

  7. ٧. ما الذي ذكره الله سببا لاستجابة دعائه في سورة الأنبياء؟

الصور توضيحية من إنتاجنا الخاص وخالية من قيود حقوق النشر، وليست تصويرًا لأشخاص الأنبياء.

مصادر البيانات

  • سورة مريم: 2-15
  • سورة آل عمران: 37-41
  • سورة الأنبياء: 89-90
  • تفسير ابن كثير
  • تفسير الطبري
  • صحيح مسلم: باب فضائل زكريا عليه السلام