القصص
لوط عليه السلام وقريته
قصة لوط عليه السلام كاملة بالفصول: من هو، وكيف هاجر مع إبراهيم عليه السلام، وأين كانت قريته في أرض الأردن قرب البحر الميت، وما الفاحشة التي عُرف بها قومه، وكيف ردوا دعوته بالتهديد بالإخراج، ثم مجيء الملائكة في صورة أضياف، وأمر الخروج قبل الصبح، ومن نجا ومن هلك، وما هو عذاب قوم لوط بالتفصيل: الصيحة وقلب القرية وحجارة السجيل، وما بقي من أثر تلك القرية يُرى إلى اليوم.

صوت قراءة القصة مُصنَّع آليًا. النص مكتوب ومراجَع بشريًا، وتلاوة الآيات بصوت قارئ معتمد.
الفصل ١
رجل خرج مع إبراهيم

لوط عليه السلام ليس رجلا غريبا عن قصة إبراهيم عليه السلام، بل هو ابن أخيه، وأول من صدقه حين كذبه قومه في العراق. ولهذا يبدأ خبره في القرآن من لحظة التصديق لا من لحظة النبوة، فيقول الله عن إبراهيم وقومه:
قراءة السورةسورة العنكبوت ٢٩:٢٦
تلاوة معتمدة
۞ فَـَٔامَنَ لَهُۥ لُوطٌۭ ۘ وَقَالَ إِنِّى مُهَاجِرٌ إِلَىٰ رَبِّىٓ ۖ إِنَّهُۥ هُوَ ٱلْعَزِيزُ ٱلْحَكِيمُ
جملة قصيرة تحمل موقفا كاملا: في بلد كله ضد إبراهيم، وقف واحد معه. ثم كانت الهجرة، فخرجا معا نحو الشام، ومعهما سارة، وطووا الطريق من أرض بابل إلى أرض كنعان. ثم اختار كل منهما موضعه: بقي إبراهيم في تلك الجهة، ونزل لوط ناحية الشرق، في السهل الخصيب المنخفض من أرض الأردن، حيث كانت مدن مأهولة على طرق التجارة، فيها ماء وزرع وأسواق.
وهناك أرسله الله نبيا إلى أهل تلك المدن. أي أن لوطا لم يُبعث إلى قوم يعرفه فيهم أبوه ولا عصبته، بل إلى أهل بلد نزل عليهم غريبا. وهذه معلومة تفسر كثيرا من تفاصيل القصة بعد ذلك: لماذا كان تهديدهم له بالإخراج من القرية سلاحا مؤثرا، ولماذا قال يوم الأضياف كلمة الرجل الذي لا ظهر له: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد.
فالقصة إذن ليست قصة نبي في قصر ولا في قبيلة تحميه، بل قصة رجل واحد في بلد اختار أهله شيئا واحدا وأصروا عليه.
دروس
- أول من يصدق الحق قد يكون رجلا واحدا، وهذا يكفي لأن يُكتب في القرآن
- الغربة لا تُسقط واجب البلاغ
- اختيار الموضع الخصيب لا يعني اختيار الجوار الصالح
الفصل ٢
أين كانت القرية ومن كان أهلها

السؤال الذي يسأله كثير من الناس أول ما يسمعون القصة: أين كان قوم لوط؟ الجواب الذي تجتمع عليه كتب التفسير والتاريخ: في المنطقة المنخفضة جنوب البحر الميت في أرض الأردن، وكانت مدنا متجاورة أشهرها سدوم، وذكرها القرآن باسم القرية والمؤتفكة، أي المنقلبة. وهي أخفض بقعة مأهولة على وجه الأرض، وكانت في ذلك الزمان أرضا مزروعة يمر بها طريق القوافل، لا أرض ملح كما هي اليوم.
أما من هم قوم لوط، فالقرآن لا يعرفهم بأنسابهم بل بفعلهم. جاء لوط فوجدهم قد أحدثوا في الأرض ما لم يسبقهم إليه أحد:
قراءة السورةسورة الأعراف ٧:٨٠-٨١
تلاوة معتمدة
وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِۦٓ أَتَأْتُونَ ٱلْفَٰحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍۢ مِّنَ ٱلْعَٰلَمِينَ إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ ٱلرِّجَالَ شَهْوَةًۭ مِّن دُونِ ٱلنِّسَآءِ ۚ بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌۭ مُّسْرِفُونَ
في الآية قيدان يحددان جوهر جرمهم. الأول: ما سبقكم بها من أحد، أي أنهم أول من جعل هذا الفعل عادة معلنة في مجتمع. والثاني: قوم مسرفون، والإسراف تجاوز الحد في كل شيء، لا في هذا الباب وحده.
ولهذا وصفت سورة العنكبوت مجالسهم بأنها كانت مواضع اعتراض للناس في الطريق، وذكر القرآن أنهم كانوا يقطعون السبيل ويأتون المنكر في مجتمعاتهم علانية. أي أن الفاحشة لم تكن ذنب أفراد يستخفون به، بل صارت عرفا عاما يُدافع عنه، ومن أنكره صار هو الغريب المطلوب إخراجه. وهذه هي اللحظة التي يستحق فيها المجتمع أن يُذكر في القرآن مثلا للأمم بعده.
دروس
- قرية قوم لوط كانت في المنطقة المنخفضة جنوب البحر الميت بأرض الأردن
- الجرم يتحول من ذنب فرد إلى هلاك أمة حين يصير عرفا معلنا
- الإسراف صفة جامعة، فمن تجاوز الحد في باب تجاوزه في غيره
الفصل ٣
دعوة سنين وجواب واحد

دعا لوط عليه السلام قومه بالحجة الفطرية لا بالتهديد أولا. سألهم سؤالا يوقف العقل: أتأتون الفاحشة وأنتم تبصرون. أي أن الأمر ليس جهلا يُعذر صاحبه، بل فعل على بصر وعلم. وذكرهم بالطهارة والحلال، وبيّن لهم أن ما يفعلونه اعتداء على أصل الخلق لا مجرد خطأ في السلوك. ووصف القرآن دعوته بأنه كان لهم ناصحا أمينا، فجمع له صفتين: نصح لا يمل، وأمانة لا تخفي شيئا.
فماذا كان الجواب؟ لم يكن نقاشا ولا حجة، بل قرارا إداريا بإخراج المخالف:
قراءة السورةسورة النمل ٢٧:٥٦
تلاوة معتمدة
۞ فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِۦٓ إِلَّآ أَن قَالُوٓا۟ أَخْرِجُوٓا۟ ءَالَ لُوطٍۢ مِّن قَرْيَتِكُمْ ۖ إِنَّهُمْ أُنَاسٌۭ يَتَطَهَّرُونَ
تأمل التعليل الذي جعلوه سببا للإخراج: إنهم أناس يتطهرون. أي أن الطهارة نفسها صارت هي التهمة. وهذا أخطر ما يصيب مجتمعا: أن ينقلب الميزان فيصير المعروف منكرا والمنكر معروفا، ويصبح وجود الصالح بين الناس إزعاجا يستحق الطرد.
وفي سورة الشعراء يقولون له صراحة: لتكونن من المخرجين. أي أنهم كانوا يعرفون أنه لا عصبة له، فرفعوا في وجهه السلاح الذي يخيف الغريب. ومع ذلك بقي في القرية يبلّغ سنين، ولم يخرج حتى أُمر بالخروج. فلم يبق للقوم عذر، ولا بقي في مقام العدل إلا أن يأتي الحكم.
دروس
- أخطر ما يصيب مجتمعا أن تصير الطهارة تهمة
- البلاغ يستمر ولو كان الجواب تهديدا بالإخراج
- العذاب لا يأتي إلا بعد أن تنقطع الأعذار
الفصل ٤
ليلة الأضياف

جاء الملائكة إلى القرية في صورة رجال أضياف. وكانوا قبل ذلك عند إبراهيم عليه السلام، بشروه بإسحاق، فسألهم إلى أين، فأخبروه أنهم مرسلون إلى قوم لوط، فجادلهم في أمرهم رحمة ورجاء، حتى قيل له إن الأمر قد نفذ.
فلما دخلوا على لوط ضاق بهم لا كرها للضيف بل خوفا عليه، وقال إن هذا يوم عصيب. ثم جاء قومه يهرعون إلى بيته، وقالوا أوَلم ننهك عن العالمين، أي عن أن تحمي أحدا وتضيفه. وحاول لوط أن يصرفهم بكل ما يملك، وذكرهم بالحلال، وناداهم أن يتقوا الله ولا يخزوه في ضيفه، فأبوا. وهنا قال كلمته التي يُروى أنها كانت من أشد ما قاله نبي في موقف ضعف: لو أن لي بكم قوة أو آوي إلى ركن شديد.
في تلك اللحظة انكشف الأمر:
قراءة السورةسورة هود ١١:٨١
تلاوة معتمدة
قَالُوا۟ يَٰلُوطُ إِنَّا رُسُلُ رَبِّكَ لَن يَصِلُوٓا۟ إِلَيْكَ ۖ فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ بِقِطْعٍۢ مِّنَ ٱلَّيْلِ وَلَا يَلْتَفِتْ مِنكُمْ أَحَدٌ إِلَّا ٱمْرَأَتَكَ ۖ إِنَّهُۥ مُصِيبُهَا مَآ أَصَابَهُمْ ۚ إِنَّ مَوْعِدَهُمُ ٱلصُّبْحُ ۚ أَلَيْسَ ٱلصُّبْحُ بِقَرِيبٍۢ
الآية تجيب عن كل سؤال في تلك الليلة: من الأضياف، ولماذا لا خوف على البيت، وماذا يفعل لوط الآن، ومتى يقع العذاب. ثم جاء في سورة الحجر أنهم طُمست أبصارهم عند الباب فرجعوا لا يرون. أي أن الرجل الذي قال لو أن لي بكم قوة كان في تلك اللحظة نفسها محفوظا بقوة لا تُرى.
والركن الشديد الذي تمناه كان معه في بيته، ولكنه لم يعلم بعد.
دروس
- قد يكون العون حاضرا في البيت والمرء يظن نفسه وحده
- إكرام الضيف والدفاع عنه من مروءة الأنبياء
- موعد العذاب محدد في علم الله لا في تقدير الناس
الفصل ٥
من خرج ومن بقي

كان الأمر واضحا: اخرج بأهلك في جزء من الليل، ولا ينظر أحد منكم إلى الوراء. فخرج لوط عليه السلام وبناته في آخر الليل، وترك بيته وأرضه وسنين دعوته، ولم يحمل معه شيئا يستحق الالتفات.
ولم يخرج معه أحد من أهل القرية. ولهذا سُمي في التاريخ نبيا لم يؤمن به من قومه أحد، وقد قال الله عن تلك الليلة إنه لم يكن في القرية بيت مسلم غير بيته، فأخرج من كان فيه من المؤمنين. أي أن حصيلة سنين الدعوة كانت أسرة واحدة، ومع ذلك سُجّل لوط في القرآن نبيا صادقا ناصحا، لأن الميزان في البلاغ هو الأداء لا عدد المستجيبين.
أما امرأته فكانت الاستثناء المذكور بالنص:
قراءة السورةسورة الأعراف ٧:٨٣
تلاوة معتمدة
فَأَنجَيْنَٰهُ وَأَهْلَهُۥٓ إِلَّا ٱمْرَأَتَهُۥ كَانَتْ مِنَ ٱلْغَٰبِرِينَ
هي زوجة نبي، تسكن بيته وتسمع كلامه كل يوم، ومع ذلك هلكت مع القوم. ذكر المفسرون أنها كانت تميل إليهم وتدلهم على أضياف بيتها، فكان قلبها في القرية وإن كان جسدها في بيت النبوة. ولهذا جعلها القرآن في سورة التحريم مثلا لكل من ظن أن القرب من الصالحين يكفي: ضرب الله مثلا للذين كفروا امرأة نوح وامرأة لوط.
فالنجاة في تلك الليلة لم تكن بالنسب ولا بالسكن ولا بالصحبة، بل بأن يخرج الإنسان فعلا حين يقال له اخرج.
دروس
- النجاة بالاستجابة لا بالقرب من الصالحين
- نجاح الدعوة يقاس بالبلاغ لا بعدد المستجيبين
- الالتفات إلى ما تركه الله وراءك تعلق بما حُكم عليه
الفصل ٦
ما هو عذاب قوم لوط

يسأل كثير من الناس: ما هو عذاب قوم لوط بالتحديد؟ والقرآن يذكره على ثلاث مراحل متتابعة في مطلع الصبح، لا عقوبة واحدة.
المرحلة الأولى الصيحة. قال الله في سورة الحجر إنهم أخذتهم الصيحة مشرقين، أي عند شروق الشمس، وهي صوت شديد أخذهم وهم في مساكنهم.
والمرحلة الثانية والثالثة في آيتين متصلتين من سورة هود:
قراءة السورةسورة هود ١١:٨٢-٨٣
تلاوة معتمدة
فَلَمَّا جَآءَ أَمْرُنَا جَعَلْنَا عَٰلِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهَا حِجَارَةًۭ مِّن سِجِّيلٍۢ مَّنضُودٍۢ مُّسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ ۖ وَمَا هِىَ مِنَ ٱلظَّٰلِمِينَ بِبَعِيدٍۢ
جعلنا عاليها سافلها: قلب القرية، فصار سطحها أسفلها. ومنه سماها القرآن المؤتفكة، أي المنقلبة. ثم أُمطرت عليها حجارة من سجيل، وهو الطين المتحجر المشتد، ومنضود أي متتابع بعضه فوق بعض، ومسومة أي معلمة عند ربك لا تخطئ من أُرسلت إليه.
وفي سورة النجم عبارة تجمع المشهد كله في كلمتين: والمؤتفكة أهوى. وفي سورة القمر تذكير بأن العذاب جاء بعد إنذار لم يُقبل: ولقد أنذرهم لوطا النقمة فتماروا بالنذر.
وخُتمت الآية بجملة موجهة إلى كل من يقرأ بعدهم: وما هي من الظالمين ببعيد. أي أن هذه الحجارة ليست حكاية عن أمة انتهت، بل قانون قائم، وقربها من الظالمين قرب لا يُقاس بالزمان.
دروس
- العذاب جاء على ثلاث مراحل: الصيحة، ثم قلب القرية، ثم حجارة السجيل
- حجارة مسومة تعني أن العقوبة موجهة لا عشواء
- الإنذار سبق العذاب، والجدال في النذر لا يؤخره
الفصل ٧
الأثر الذي بقي في الوادي

القصة لا تنتهي بهلاك القرية، بل بما تركه الله بعدها. قال سبحانه في سورة العنكبوت:
قراءة السورةسورة العنكبوت ٢٩:٣٥
تلاوة معتمدة
وَلَقَد تَّرَكْنَا مِنْهَآ ءَايَةًۢ بَيِّنَةًۭ لِّقَوْمٍۢ يَعْقِلُونَ
آية بينة، أي علامة ظاهرة تُرى لا خبرا يُروى. وأشار القرآن في سورة الحجر إلى موضعها فقال إنها بسبيل مقيم، أي على طريق ما زال الناس يمرون به. ومن مر اليوم في المنطقة المنخفضة جنوب البحر الميت رأى أرضا لا تشبه ما حولها: ملح متشقق، وتراب مختلط بالكبريت، وأخفض بقعة يابسة على وجه الأرض، وأرض كانت مزروعة فصارت لا تُنبت.
وأما لوط عليه السلام فقد نجا هو وبناته، ولحق بإبراهيم عليه السلام في تلك الجهة، وبقيت النبوة في نسل إبراهيم. وذُكر لوط في القرآن في سياق واحد مع نوح وهود وصالح وشعيب، لأن قصصهم كلها تحمل القانون نفسه: نبي واحد، وأمة مصرة، ونهاية معلومة.
وأقرب ما يمكن أن يخرج به قارئ اليوم من هذه القصة ثلاثة أمور. أن الفعل الذي يُدافع عنه علنا أخطر على الأمة من الفعل الذي يُستخفى به. وأن الطهارة قد تكون سببا للطرد في مجتمع انقلب ميزانه، وليس في ذلك ما يوجب التنازل عنها. وأن الانتساب لا ينجي، فامرأة نبي هلكت وأسرة غريب نجت.
ومن أراد أن يقرأ القصة في مواضعها فليقرأ سورة هود من الآية 69 إلى 83، وسورة الحجر من 51 إلى 77، وسورة الشعراء من 160 إلى 175، وسورة النمل من 54 إلى 58، وسورة العنكبوت من 26 إلى 35.
دروس
- أثر القرية باق على طريق يمر به الناس، وهو آية لمن يعقل
- المنكر المعلن أخطر على الأمة من المنكر المستور
- الانتساب إلى بيت صالح لا ينجي بلا عمل
اختبار تفاعلي
أجب عن الأسئلة التالية ثم تحقق من إجاباتك. لا حاجة لأي تسجيل.
١. ما صلة لوط عليه السلام بإبراهيم عليه السلام؟
٢. أين كانت قرية قوم لوط؟
٣. بماذا علل القوم قرارهم بإخراج لوط وأهله من القرية؟
٤. من كان الأضياف الذين دخلوا بيت لوط؟
٥. من أهل بيت لوط لم ينج من العذاب؟
٦. كيف كان عذاب قوم لوط؟
٧. ما الذي بقي من القرية بعد هلاكها؟
الصور توضيحية من إنتاجنا الخاص وخالية من قيود حقوق النشر، ولا تصوّر شخصيات دينية معيّنة.
قصص ذات صلة
مصادر البيانات
- سورة هود: 69-83
- سورة الأعراف: 80-84
- سورة الحجر: 51-77
- سورة الشعراء: 160-175
- سورة النمل: 54-58
- سورة العنكبوت: 26-35
- سورة القمر: 33-39
- تفسير ابن كثير
- تفسير الطبري


