القصص
غار حراء
قصة موثقة ومفصلة لبدء الوحي في غار حراء، من الرؤيا الصادقة والخلوة، إلى أمر «اقرأ»، وقول النبي صلى الله عليه وسلم «زملوني زملوني»، وتثبيت خديجة، وشهادة ورقة، وفترة الوحي، ثم نزول أوائل المدثر.

صوت قراءة القصة مُصنَّع آليًا. النص مكتوب ومراجَع بشريًا، وتلاوة الآيات بصوت قارئ معتمد.
الفصل ١
غار حراء: المكان وما ثبت عنه

يقع غار حراء في جبل النور شرقي مكة المكرمة. والغار تجويف صغير بين صخور الجبل، لكن شهرته لم تأت من سعته ولا من بناء أقيم فيه، بل من الحدث الذي اختاره الله له: بداية نزول القرآن على محمد صلى الله عليه وسلم. والمصدر الأوثق لهذه البداية هو حديث أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في صحيحي البخاري ومسلم، فهو يروي تسلسل الحدث من الرؤيا الصادقة إلى لقاء الملك، ثم العودة إلى خديجة ولقاء ورقة بن نوفل.
من المهم أن نفرق بين ما ثبت بالنص الصحيح وما شاع في القصص المتأخرة. ثبت اسم غار حراء ووقوع بدء الوحي فيه. أما تحديد موضع جلوس النبي صلى الله عليه وسلم داخل الغار، أو هيئة الصخرة التي كان عليها، أو وصف طعام بعينه، أو حوار طويل قبل مجيء جبريل، فلا يقوم عليه حديث صحيح. والرزانة في السيرة ليست بكثرة التفاصيل، بل بصدق كل تفصيل.
ولم يجعل النبي صلى الله عليه وسلم قصد الغار بعد البعثة عبادة مخصوصة، ولم يثبت أنه عاد إليه للتبرك أو علّم أصحابه صلاة خاصة فيه. فمكانته تاريخية عظيمة لأنه شهد بدء الوحي، لكن العبادة لا تثبت إلا بدليل.
ويختلط غار حراء أحيانًا بغار ثور. حراء في جبل النور، وفيه بدأ الوحي قبل الهجرة. أما غار ثور ففي جبل ثور، وقد آوى إليه النبي صلى الله عليه وسلم وأبو بكر رضي الله عنه أيام الهجرة. حدثان مختلفان، في مكانين مختلفين، وفي مرحلتين مختلفتين من السيرة.
هذه القصة لا تصف شخص النبي صلى الله عليه وسلم ولا جبريل عليه السلام من الخيال، ولا تنسب إليهما قولًا لم يثبت. كل عبارة من الحوار الآتي مردها إلى القرآن أو الحديث الصحيح، وما كان تفسيرًا أو استنباطًا سيبقى واضحًا بوصفه تفسيرًا لا رواية.
دروس
- السيرة النبوية أمانة، وقوة القصة في صحة دليلها لا في التفاصيل المتخيلة.
- مكانة غار حراء ثابتة تاريخيًا، ولا تجعل زيارته عبادة مخصوصة.
- غار حراء غير غار ثور، ولكل منهما حدث مستقل.
الفصل ٢
الرؤيا الصادقة والخلوة قبل البعثة

بدأت عائشة رضي الله عنها الخبر من قبل ليلة الغار. قالت إن أول ما بُدئ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم، «فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح». لم تذكر تفاصيل تلك الرؤى، وإنما وصفت وضوح تحققها. لذلك لا يصح أن نصنع لها مشاهد وأحداثًا من عندنا.
ثم حُبب إليه الخلاء. كان يخلو بغار حراء الليالي ذوات العدد «فيتحنث فيه، وهو التعبد»، قبل أن يرجع إلى أهله. وكان يتزود لذلك، ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها فيتزود لمثلها. هذه الألفاظ مهمة: الحديث يثبت التعبد والخلوة، لكنه لا يحدد لنا هيئة عبادة مفصلة ولا أذكارًا مخصوصة كان يقولها في الغار.
لم تكن الخلوة هروبًا من واجب أو قطيعة مع أهله. كان يعود إلى خديجة ويتزود، وكانت شريكة في هذا الاستعداد بما قدمته من سكينة وعون. وفي الحديث توازن دقيق بين الانقطاع للتفكر والعبادة، وبين الرجوع إلى البيت وأداء الحقوق.
ولا نحتاج إلى الزعم بأنه صلى الله عليه وسلم كان يعرف ما ينتظره. ظاهر الحديث أن الحق جاءه بغتة في الغار. لكن الله هيأه قبل ذلك بالصدق والطهارة والنفور من وثنية قومه، ثم بالرؤيا الصادقة وحب الخلاء.
والوحي في عقيدة الإسلام ليس خاطرًا نفسيًا ولا تأملًا بشريًا. إنه إعلام من الله على الوجه الذي يشاء، ومنه إرسال الملك بالرسالة:
قراءة السورةسورة الشورى ٤٢:٥١-٥٢
تلاوة معتمدة
۞ وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ ٱللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَآئِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًۭا فَيُوحِىَ بِإِذْنِهِۦ مَا يَشَآءُ ۚ إِنَّهُۥ عَلِىٌّ حَكِيمٌۭ وَكَذَٰلِكَ أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ رُوحًۭا مِّنْ أَمْرِنَا ۚ مَا كُنتَ تَدْرِى مَا ٱلْكِتَٰبُ وَلَا ٱلْإِيمَٰنُ وَلَٰكِن جَعَلْنَٰهُ نُورًۭا نَّهْدِى بِهِۦ مَن نَّشَآءُ مِنْ عِبَادِنَا ۚ وَإِنَّكَ لَتَهْدِىٓ إِلَىٰ صِرَٰطٍۢ مُّسْتَقِيمٍۢ
تضع هاتان الآيتان حادثة حراء داخل أصل أكبر: الله هو الذي يوحي، والقرآن روح ونور وهداية، والنبي صلى الله عليه وسلم متلق أمين لما أوحاه الله إليه.
دروس
- الرؤيا الصادقة والخلوة كانتا تهيئة قبل مجيء الملك.
- الحديث أثبت التحنث بمعنى التعبد، ولم يحدد هيئة عبادة خاصة في الغار.
- الوحي من عند الله، وليس تجربة بشرية يصنعها التأمل.
الفصل ٣
حين جاءه الحق وقال الملك: اقرأ

قالت عائشة رضي الله عنها: «حتى جاءه الحق وهو في غار حراء». فجاءه الملك فقال: «اقرأ». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما أنا بقارئ». فأخذه الملك فغطه حتى بلغ منه الجهد، ثم أرسله وقال: «اقرأ». وتكرر ذلك ثلاث مرات.
لفظ «فغطني» في الحديث يفيد الضم الشديد. والنبي صلى الله عليه وسلم نفسه هو الذي روى أثره: «حتى بلغ مني الجهد». لا نهوّن هيبة اللحظة، ولا نزيد عليها وصفًا لم يرد. ولم يقل الحديث إن النبي قاوم الوحي أو رفض الأمر، بل أجاب بما يصف حاله: «ما أنا بقارئ».
بعد المرة الثالثة جاء البيان، لا بوصف من خارج الحدث، بل بكلمات القرآن نفسها:
قراءة السورةسورة العلق ٩٦:١-٥
تلاوة معتمدة
ٱقْرَأْ بِٱسْمِ رَبِّكَ ٱلَّذِى خَلَقَ خَلَقَ ٱلْإِنسَٰنَ مِنْ عَلَقٍ ٱقْرَأْ وَرَبُّكَ ٱلْأَكْرَمُ ٱلَّذِى عَلَّمَ بِٱلْقَلَمِ عَلَّمَ ٱلْإِنسَٰنَ مَا لَمْ يَعْلَمْ
هذه أول خمس آيات نزلت من القرآن على الراجح الذي عليه جمهور أهل العلم، وهو الذي يدل عليه حديث عائشة الصريح. أما حديث جابر رضي الله عنه في أول سورة المدثر فيتحدث عن عودة الوحي بعد فترته وبداية الأمر بالإنذار، فلا تعارض بين الروايتين: العلق أول ما نزل مطلقًا، والمدثر جاءت بعد الفترة بالأمر بالقيام والإنذار.
افتتحت الرسالة باسم الرب الخالق. تكرر الأمر بالقراءة، وجاء معه الخلق والكرم والتعليم والقلم. فالإنسان مخلوق من علق، لكنه مكرم بالعلم الذي يعلمه الله. وهذا التوازن يضعه بين التواضع لأصله والشكر لنعمة المعرفة.
لا يصح أن نجعل الآيات مجرد عنوان لمحبة القراءة ثم نفصلها عن «باسم ربك». العلم في أول الوحي مرتبط بالله، ومقصده الهداية، وأداته القراءة والقلم، ومصدره فضل الأكرم سبحانه.
وكان النبي صلى الله عليه وسلم ابن أربعين سنة عند بعثته، كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح البخاري. هذا العمر ثابت بخبر صحيح مستقل، أما تحديد اليوم العددي من الشهر الذي وقع فيه اللقاء فلا يثبت فيه نص صحيح صريح يقطع الخلاف.
دروس
- أول ما نزل مطلع سورة العلق، والمدثر جاءت بعد فترة الوحي.
- النص الصحيح يثبت الغط ثلاث مرات، ولا يبيح إضافة مشهد متخيل.
- افتتاح الوحي جمع بين التوحيد والخلق والعلم والقلم.
الفصل ٤
رمضان وليلة القدر: ما نثبته وما لا نجزم به

يثبت القرآن أن نزوله كان في شهر رمضان:
قراءة السورةسورة البقرة ٢:١٨٥
تلاوة معتمدة
شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِىٓ أُنزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْءَانُ هُدًۭى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَٰتٍۢ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ ۚ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ ۖ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَىٰ سَفَرٍۢ فَعِدَّةٌۭ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ۗ يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُوا۟ ٱلْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُوا۟ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَىٰكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ
ويثبت كذلك أنه أُنزل في ليلة القدر:
قراءة السورةسورة القدر ٩٧:١-٥
تلاوة معتمدة
إِنَّآ أَنزَلْنَٰهُ فِى لَيْلَةِ ٱلْقَدْرِ وَمَآ أَدْرَىٰكَ مَا لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ لَيْلَةُ ٱلْقَدْرِ خَيْرٌۭ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍۢ تَنَزَّلُ ٱلْمَلَٰٓئِكَةُ وَٱلرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍۢ سَلَٰمٌ هِىَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ ٱلْفَجْرِ
لذلك يربط جمهور أهل العلم ابتداء نزول القرآن برمضان وليلة القدر. ويشهد صحيح مسلم أيضًا بأن يوم الاثنين هو اليوم الذي بُعث فيه النبي صلى الله عليه وسلم أو أُنزل عليه فيه، في حديث صيام الاثنين.
لكن الانتقال من هذه النصوص العامة الصحيحة إلى تعيين تاريخ عددي واحد، كالسابع عشر أو الحادي والعشرين أو السابع والعشرين من رمضان، يحتاج إلى دليل خاص. وقد اختلف أهل السير في ذلك. لهذا نقول بثقة: بدأ نزول القرآن في رمضان، في ليلة القدر، وكان يوم الوحي يوم اثنين. ولا نجزم برقم ليلة لم يأت فيه نص صحيح صريح حاسم.
وتجمع بطاقة سورة القدر بين عظمة الزمن وعظمة المنزل. الليلة خير من ألف شهر، وتنزل فيها الملائكة والروح بإذن ربهم. أما بطاقة البقرة فتصف القرآن بوظيفته: هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. القصة إذن ليست سيرة مكان وحده، بل بداية كتاب سيهدي ويفرق بين الحق والباطل.
ولا يعني نزول القرآن في ليلة القدر أنه نزل على النبي صلى الله عليه وسلم كاملًا في الغار. الذي ثبت في حديث عائشة أن أول ما تلي عليه هناك خمس آيات من العلق، ثم تنزل القرآن منجمًا بحسب الوقائع والحكمة خلال سنوات الرسالة. وذكر المفسرون تفصيلًا في معنى الإنزال إلى السماء الدنيا ثم التنزيل المتدرج، وهو باب تفسير لا نخلطه بنص حادثة الغار نفسها.
دروس
- القرآن يثبت رمضان وليلة القدر زمنًا لنزوله.
- تحديد رقم ليلة بعينها مختلف فيه، فلا يُعرض الظن على أنه يقين.
- نزل القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم منجمًا بعد أول آيات العلق.
الفصل ٥
«زملوني زملوني»: اللفظ الصحيح وموقف خديجة

رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغار يرجف فؤاده. ودخل على خديجة بنت خويلد رضي الله عنها فقال، كما في صحيح البخاري وصحيح مسلم: «زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي». فزملوه حتى ذهب عنه الروع، ثم أخبر خديجة الخبر وقال: «لقد خشيت على نفسي».
اللفظ الثابت هنا بصيغة الجمع: «زملوني»، وليس العبارة الشائعة «زمليني». قد تتجه العبارة في معناها إلى خديجة رضي الله عنها، لكن الأمانة تقتضي أن ننقل لفظ الرواية كما جاء. والزَّمْل هو التلفف والثياب، فالمعنى: غطوني بالثياب.
ولا تنتقص رجفة الفؤاد من مقام النبوة. لقد واجه صلى الله عليه وسلم حدثًا عظيمًا لم يسبق له مثله، ووصف الحديث أثره البشري بصدق، ثم أظهر حفظ الله له وسكينة بيته. احترام النبي لا يكون بمحو ما صح من سيرته، بل بفهمه على الوجه اللائق بلا تهويل ولا انتقاص.
قالت خديجة رضي الله عنها: «كلا والله ما يخزيك الله أبدًا». ثم لم تجعل طمأنتها دعوى بلا برهان، بل بنتها على أخلاق عرفتها فيه: «إنك لتصل الرحم، وتحمل الكل، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق».
تحمل الكل تعني إعانة العاجز أو من أثقله أمره. وتكسب المعدوم فسرت بإعطاء من لا يجد وبذل الخير. وتقري الضيف أي تكرمه. ونوائب الحق هي الشدائد التي يُنصر فيها الحق ويُعان المظلوم. جمعت خديجة في شهادتها حقوق الأسرة، والضعفاء، والمحتاجين، والضيف، وأصحاب الشدائد.
هذا واحد من أثبت مشاهد الوفاء الزوجي في السيرة. استمعت، وطمأنت، واستدلت بأخلاقه، ثم تحركت به إلى من لديه علم بالكتب السابقة. لم تدّع معرفة الغيب، ولم تهمل خوفه، ولم تبق عند العاطفة وحدها. جمعت المحبة والعقل والعمل.
ومع حساسية هذا المقام، لا نصف داخل البيت ولا هيئة خديجة ولا نضيف حوارًا بينهما. يكفينا النص الصحيح، فهو أبلغ وأكرم من أي مشهد مصنوع.
دروس
- اللفظ الصحيح في أول الوحي هو «زملوني زملوني»، لا «زمليني».
- صدق المشاعر البشرية لا يناقض كمال مقام النبوة.
- استدلت خديجة رضي الله عنها على حفظ الله للنبي بمكارم أخلاقه.
الفصل ٦
ورقة بن نوفل: هذا الناموس الذي نزل على موسى

انطلقت خديجة رضي الله عنها بالنبي صلى الله عليه وسلم إلى ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى، ابن عم خديجة. تصفه رواية الصحيح بأنه كان قد تنصر في الجاهلية، ويكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب، وكان شيخًا كبيرًا قد عمي.
قالت خديجة: «يا ابن عم، اسمع من ابن أخيك». فقال ورقة: «يا ابن أخي، ماذا ترى؟» فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى. لم يرو الحديث أن ورقة رأى الملك، وإنما سمع الخبر وعرف علامته مما لديه من علم.
قال ورقة: «هذا الناموس الذي نزل الله على موسى». والناموس في شرح أهل الحديث صاحب السر، والمقصود به جبريل عليه السلام حامل الوحي. وذكر موسى عليه السلام هنا هو لفظ الرواية الصحيحة، فلا نستبدله باسم نبي آخر لمجرد توقع القارئ.
ثم تمنى ورقة فقال: «يا ليتني فيها جذعًا»، أي شابًا قويًا، «ليتني أكون حيًا إذ يخرجك قومك». تعجب النبي صلى الله عليه وسلم وقال: «أومخرجي هم؟» فالذي عرفه قومه قبل ذلك هو الصادق الأمين، ولم يكن قد دعاهم بعد إلى ترك آلهتهم ونظامهم.
أجاب ورقة بقاعدة عرفها من تاريخ الرسالات: «لم يأت رجل قط بمثل ما جئت به إلا عودي». لم يقل إن الحق يخسر، بل إن حمله يوقظ مقاومة من ترتبط مصالحهم بالباطل. ثم وعد: «وإن يدركني يومك أنصرك نصرًا مؤزرًا».
توفي ورقة بعد ذلك بقليل، كما في الحديث، فلم يدرك زمن المواجهة الطويل. ولا نزيد في مصيره أو تفاصيل أيامه الأخيرة ما لا يدل عليه النص. الثابت أنه صدق علامة الوحي، وتمنى النصرة، وأخبر بالمواجهة المقبلة.
وفي هذا اللقاء اتصال بين الرسالات: الذي جاء محمدًا صلى الله عليه وسلم هو صاحب الوحي الذي جاء موسى عليه السلام، ومصدر الرسالة واحد. لكن شريعة القرآن هي الرسالة الخاتمة التي أُمر النبي بتبليغها للعالمين.
دروس
- ورقة عرف علامة الوحي من علمه بالكتب السابقة.
- الناموس في الحديث هو جبريل عليه السلام حامل الوحي.
- الدعوة إلى الحق قد تستجلب العداوة حين تمس المصالح والعادات.
الفصل ٧
فترة الوحي ثم نداء المدثر

قالت عائشة رضي الله عنها في آخر حديث بدء الوحي: «ثم لم ينشب ورقة أن توفي، وفتر الوحي». والفترة هي انقطاع مؤقت بين نزولين، وليست نهاية الرسالة. لا يثبت في حديث صحيح صريح مقدار واحد لمدة هذه الفترة، ولذلك لا نجزم بأنها أيام محددة أو أشهر أو سنوات.
ويروي جابر بن عبد الله رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم حدّث عن فترة الوحي فقال: بينما هو يمشي سمع صوتًا من السماء، فرفع بصره، فإذا الملك الذي جاءه بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض. فرعب منه ورجع إلى أهله.
وردت في طرق صحيحة لهذا الخبر ألفاظ ينبغي ألا نخلط بينها. في صحيح البخاري رواية: «زملوني زملوني، فدثروني»، وفي رواية صحيحة أخرى: «دثروني وصبوا علي ماء بارد». لذلك فـ«دثروني» لفظ صحيح في سياق عودة الوحي بعد الفترة، لكنه ليس بديلًا عن «زملوني زملوني» في حديث عائشة عن الرجوع من اللقاء الأول. أما «زمليني» بصيغة مخاطبة امرأة واحدة فليست لفظ الصحيحين.
ثم نزل قول الله تعالى:
قراءة السورةسورة المدثر ٧٤:١-٧
تلاوة معتمدة
يَٰٓأَيُّهَا ٱلْمُدَّثِّرُ قُمْ فَأَنذِرْ وَرَبَّكَ فَكَبِّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهِّرْ وَٱلرُّجْزَ فَٱهْجُرْ وَلَا تَمْنُن تَسْتَكْثِرُ وَلِرَبِّكَ فَٱصْبِرْ
قال جابر: «فحمي الوحي وتتابع». انتقلت المرحلة من التهيئة وتلقي أول القرآن إلى التكليف بالقيام والإنذار، وتعظيم الرب، والطهارة، وهجر الأوثان، والصبر لله. وليست المدثر أول ما نزل مطلقًا على الراجح، بل أول ما نزل بعد فترة الوحي وبداية الأمر بالإنذار.
وكان للوحي ثقل حقيقي. سُئل النبي صلى الله عليه وسلم كيف يأتيه الوحي، فذكر أنه يأتيه أحيانًا مثل صلصلة الجرس، وهو أشده عليه، ثم يفصم عنه وقد وعى ما قال. وأحيانًا يتمثل له الملك رجلًا فيكلمه فيعي قوله. وقالت عائشة إنها رأته ينزل عليه الوحي في اليوم شديد البرد، فيفصم عنه وإن جبينه ليتفصد عرقًا. وهذا حديث صحيح يفسر هيبة البداية دون أن يحولها إلى خيال.
أسئلة موثقة عن غار حراء وبدء الوحي
ما العبارة الصحيحة: زمليني أم زملوني؟
الثابت في حديث عائشة في الصحيحين هو «زملوني زملوني» بصيغة الجمع. وورد «دثروني» في طرق صحيحة لخبر جابر عن عودة الوحي بعد الفترة. أما «زمليني» فليست لفظ الرواية الصحيحة.
ما أول ما نزل من القرآن؟
أول ما نزل مطلع سورة العلق: «اقرأ باسم ربك الذي خلق»، وفق حديث عائشة الصريح. وأوائل المدثر نزلت بعد فترة الوحي بالأمر بالإنذار.
ماذا كان يفعل النبي في غار حراء؟
كان يتحنث فيه، وقد فسرت الرواية التحنث بالتعبد، الليالي ذوات العدد. ولم يثبت وصف تفصيلي لهيئة تلك العبادة.
كم كان عمر النبي عند نزول الوحي؟
كان ابن أربعين سنة، كما ثبت عن ابن عباس رضي الله عنهما في صحيح البخاري.
هل بدأت الرسالة في رمضان؟
يثبت القرآن أن القرآن أُنزل في رمضان وفي ليلة القدر، ويثبت في صحيح مسلم أن البعثة أو الإنزال كان يوم الاثنين. أما رقم الليلة من الشهر فمختلف فيه ولا نجزم به.
هل زيارة غار حراء سنة أو عبادة؟
لا يثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم شرع قصد الغار بعد البعثة للتعبد أو التبرك. من زاره بوصفه معلمًا تاريخيًا لا ينسب إلى الزيارة فضلًا شرعيًا خاصًا بلا دليل.
من لحظة «اقرأ» إلى نداء «قم فأنذر» يظهر البناء المتين للرسالة: علم باسم الله، ثم قيام لله، وإنذار للناس، وصبر على الطريق. بقي غار حراء شاهد المكان، لكن النور لم يبق في الغار، بل حمله الرسول صلى الله عليه وسلم إلى مكة ثم إلى العالم.
دروس
- فترة الوحي انقطاع مؤقت، ولا يصح الجزم بمدتها بلا نص.
- «دثروني» ثابت في بعض طرق خبر عودة الوحي، و«زملوني» ثابت في اللقاء الأول وفي طرق أخرى للعودة.
- أوائل المدثر نقلت المرحلة إلى القيام والإنذار والصبر.
- شدة الوحي ثابتة في الصحيح ولا تحتاج إلى تهويل قصصي.
اختبار تفاعلي
أجب عن الأسئلة التالية ثم تحقق من إجاباتك. لا حاجة لأي تسجيل.
١. أين بدأ نزول الوحي على النبي صلى الله عليه وسلم؟
٢. بماذا بدأت مقدمات الوحي؟
٣. ما أول ما نزل من القرآن؟
٤. ما اللفظ الثابت عند عودته من اللقاء الأول؟
٥. ماذا جاء بعد فترة الوحي؟
الصور توضيحية من إنتاجنا الخاص وخالية من قيود حقوق النشر، ولا تصوّر شخصيات دينية معيّنة.
قصص ذات صلة
مصادر البيانات
- القرآن الكريم: البقرة 185، الشورى 51-52، العلق 1-5، القدر 1-5، المدثر 1-7
- صحيح البخاري: 2، 3، 4، 3238، 3902، 4922، 4925، 4953، 4982
- صحيح مسلم: 160 أ، 160 ب، 161
- فتح الباري لابن حجر: كتاب بدء الوحي، شرح حديث 3
- تفسير ابن كثير: سور العلق والقدر والمدثر
- السيرة النبوية لابن هشام: خبر بدء الوحي، للسياق التاريخي لا لتقديمه على الصحيحين


